محمد عبد السلام كفافي / عبد الله الشريف
44
في علوم القرآن ( دراسات ومحاضرات )
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً ، كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ، وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا في هاتين الآيتين الكريمتين إشارات إلى اعتراض الكفار على نزول القرآن مفرقا ، ورد عليهم يبين ألوانا من الحكمة الكامنة وراء هذا الأمر . ففي الآية الأولى إشارة إلى أن اللّه كان رفيقا برسوله وبالمؤمنين ، فأنزل القرآن مفرقا ليسهل على الرسول حفظه ، وليقرأه على الناس على مكث ، قراءة المتأني ، حتى يستطيعوا حفظه واستيعابه . إن آيات القرآن الكريم قد حوت من الحكم العالية والأسرار والتشريع ما لا يسهل استيعابه لو نزل القرآن دفعة واحدة . ومن هنا جعل التنجيم مجال الحفظ والتدبر واسعا أمام الرسول الكريم ، وصحبه الذين كانوا يكتبون ما يوحى إليه ويحفظونه . ولقد كان الكتاب في المجتمع العربي الناشئ قلة نادرة ، كما أن أدوات الكتابة كانت قليلة . فكيف كان مثل هذا المجتمع يستطيع تسجيل القرآن وحفظه لو نزل عليهم دفعة واحدة . أما الآية الثانية فتبين أن نزول القرآن مفرقا إنما كان لتثبيت قلب الرسول ، فكم كان يلقى من عنت المشركين في مكة إبان سنوات الدعوة . ولقد ظل ثلاثة عشر عاما يدعو قومه إلى الإيمان ، فلم يؤمن به إلا القلة ، مما اضطره إلى الهجرة إلى المدينة . وفي المدينة قضى أعواما كلها كفاح ضدّ الكفر والشرك ، وحفلت بغزوات كان الكثير منها مجهدا ، اقتضى من الرسول عملا دائبا ، وسعيا لا يلين من أجل إحقاق الحق ورفع كلمة اللّه . إن الرسول وأصحابه في سنوات الدعوة التي انقضت قبل الهجرة كانوا في أشد الحاجة إلى ما يثبت قلوبهم أمام ما كانوا يلقون من عنت واضطهاد . ونرى كثيرا من الآيات الكريمة يتحدث عن تثبيت قلوب المؤمنين . ومن الطبيعي أنهم كانوا بحاجة إلى ما يقويهم أكثر من صاحب الرسالة ، معلمهم وهاديهم . قال تعالى :